الحلقة الحادية والعشرون
المَشـتَرَك
إن من أقوي الأدلة على احترام الإسلام للديانتين السماويتين بجانب الآيات القرآنية التي تتكلم عن الديانتين وأنبيائهما ليست تلك المعاهدات التي كان اليهود او المسيحيين طرفا فيها – رغم أنها أدلة قوية أيضا ويؤكد التاريخ ان النبي محمد( ) وفىّ بما التزم به ولم يبادر هو بخرق أي اتفاقية – إلا أن هناك دليلا أقوى ، إنه هذا الشعور لدي جماعة المؤمنين الأولي التي لم يكن العالم الواسع يدري بها ولا بما تتعرض له من اضطهادات في مكة ، شعورها بأن هناك رابطة اخري واسعة تربطها بالمؤمنين بالله الخالق الأعظم ، يحزنون لحزنهم ويفرحون لفرحهم ، رغم انه لا توجد أي علاقة سفارية أو ما دون السفارية ، لا وجد أي شيء ، ففي هذه الفترة المكية انهزم الروم المسيحيون أمام الفرس هزيمة نكراء ، وكان من الطبيعي أن ينعكس هذا الصراع العالمي الرهيب على ساحة الصراع الضيقة المحلية وقتئذ في وادي مكة ، فقد فرح المشركون بانتصار الفرس على الروم فرحا عقائديا وأغاظوا به المسلمين الذين حزنوا لهزيمة الروم التي كانت تمثل بالنسبة لهم القوة المؤمنة في الصراع ، فينزل القرآن مبشرا بانتصار الروم على الفرس في بضع سنوات (الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) (1)
وبما انني في مقاربة تعني بمحيط الرسالة حيث لن أتوقف هنا عند كون البشري قد وقعت تماما في المدة التي حددها القرآن ، بضع سنين ، وهو تعبير يعني في حدود التسع سنوات ، أقول إن هذا الشعور يمكن بناءا عليه قراءة مواثيق محمد( ) مع اليهود والمسحيين ليس باعتبارها فقط مواثيق تقتضيها الضرورة المدنية والسياسية لدولة ناشئة بل باعتبارها تأكيدا شرعيا على تصنيف اليهود والمسيحيين بل والصابئة أيضا أي كل من يؤمن بالله وبالحساب على أساس أنهم آخر ، ولكنه آخر موصول وقريب من الجماعة المؤمنة بصلة ما غير العيش المشترك – وهو هام – بل ايضا بوجود حد ادني من الإتفاق في مسائل إيمانية تستدعي معاملة خاصة .
لقد عبرت الآيات عن عاطفة صادقة من جانب المسلمين تجاه فصيل مؤمن بالله صاحب وزن دولي كبير وهم الروم ، وعندما أسس محمد( ) دولته سعي لترجمة هذه العاطفة إلى مواثيق تؤسس لثقة واعتراف واحترام متبادل ، وقد كان المسيحيون أكثر توفيقا في إثبات حسن النوايا تجاه الدين الجديد ، على الأقل في فترة التأسيس هذه ، ولذا شهد لهم القرآن ( وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ ) (2) ، والقرآن بطبيعته لا يقدم رِشى ، فرغم أن الإتفاق – صراحة - بين اليهود والمسلمين على عقيدة التوحيد واضح وبين ، والأمر ليس هكذا في العقيدة المسيحية إلا أن القرآن شهد للمسيحيين بحسن النوايا ، بل بأنهم الأحسن نية تجاه المسلمين .
لذا فليس من المستغرب أنه بعد مرور حوالي خمس سنوات من وفاة النبي( ) وعندما فتح عمر بن الخطاب الخليفة الثاني بيت المقدس أن يعطي كتابا هذا نصه ( هذا ما أعطى عبد الله أمير المؤمنين (عمر بن الخطاب) أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبناهم، وسقيمها وبريئها وسائر ملتها أنه لا تسكن كنائسهم، ولا تهدم، ولا ينتقص منها، ولا من خيرها، ولا من صُلُبهم، ولا من شيء من أموالهم، ولا يكرهون على دينهم، ولا يضار أحد منهم ولا يسكن بإيلياء (القدس) معهم أحد من اليهود وعلى أهل إيلياء أن يعطوا الجزية كما يعطي أهل المدائن، وعليهم أن يُخرجوا منها الروم واللصوص، فمن خرج منهم فهو آمن على نفسه وماله حتى يبلغوا مأمنهم، ومن أقام منهم فهو آمن، وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن أحب من أهل إيلياء أن يسير بنفسه وماله مع الروم ويخلي بيعهم وصلبهم، فإنهم آمنون على أنفسهم وعلى بيعهم وعلى صلبهم حتى يبلغوا مأمنهم، ومن كان فيها من أهل الأرض، فمن شاء منهم قعد وعليه مثل ما على أهل إيلياء من الجزية، ومن شاء سار مع الروم، ومن رجع إلى أهله فإنه لا يؤخذ منهم شيء حتى يحصدوا حصادهم )
ويبقي الإفادة بأن شرط عدم سكن اليهود في ايليا كان شرط المسيحيين وليس شرط عمر ، وبقي أن يقال أنها لا تشبه بأي حال من الأحوال حتى من ناحية لغتها أو مضمونها ما كان يمليه وقتها أي منتصر مختلف أ وحتى متفق في الديانة مع المهزوم .
________________________________________
(1) الروم 1-6 (2) المائدة 82
مواقع النشر