الحلقة الحادية عشره


الإسلام


الإسلام هو الخضوع لإرادة الله خضوعا كاملا ، بحيث يعيش الإنسان على الأرض كما يريد الله له أن يعيش ، وهي أفضل طريقة للعيش ، لأنها التي اختارها الله ، بل هو خالق لجميع مفرداتها ، وبالتالي هو العليم بما خلق وبكيفية عيشه بطريقة قويمة .

الخضوع لله الذي يأمر به الإسلام يراه البعض – وغالبا أصحاب الخلفية الدينية الضعيفة أو غير الموجودة – نوعا من القهر والمعاناة والسوداوية، والحقيقة غير ذلك ، أو لسنا نستسلم للخبرة في حياتنا ؟ نستسلم للجراحين ولأطباء الأسنان ، لأنهم يعرفون ما هو أفضل لنا ، ونقبل في ذلك تخديرا يفقدنا جزءا من أو كل قدرتنا على التمرد بينما سيفتح الجراح الجسد ، رغم إننا نتراجع فزعين إذا ما روًعنا الأصدقاء بالدبابيس ، إنه استسلام للخبرة ، ونستقل اسطوانة معدنية ترتفع بنا آلاف الأقدام يقودها إنسان مثلنا ، ويفرز جسدنا في هذه الرحلة كمية من الأدرينالين أقل من التي نفرز في لجنة امتحان متوسط الصعوبة ، إنه استلام للخبرة .

وعليه فبما أن الله هو الخالق وهو خبير بعباده وبما يصلح حالهم فالإستسلام له هو الحالة الطبيعية الراشدة التي توفر التوفيق والسلام الداخلي للإنسان ، وهذا الإسلام لله يوفر سلاما بين أفراد المجتمع إذا ما توافقوا على الخضوع لله ، وبذا تكون التحية بينهم هي السلام عليكم أي سلام من الله عليكم ، ويكونون جديرين بدخول الجنة والتي اسمها دار السلام ، إذن الإسلام هو إيمان نقي بالله يستلزم الخضوع له باعتباره العليم الخبير القادر على كل شيء وهذا الخضوع يولٍد شعورا عميقا بالسلام الداخلي ، ويصنع لغة اجتماعية هي السلام بين أفراد المجتمع ، فيثيب الله عن ذلك بالجنة .

الإسلام في اللغة العربية مشتق من نفس اشتقاق كلمة سلام ، وليس هذا من قبيل الصدفة البحتة إذا ما نظرنا إلى التحية بين المسلمين ، والي اسم الجنة ، وحتى ليلة القدر المباركة عند المسلمين والتي يكون للعبادات فيها ثواب أعظم من ثواب العبادات في غيرها من الليالي ، والدعاء فيها أفضل ، موصوفة في القرآن بأنها ( سلام هي ) (1) ، كما أن النبي محمد( ) يصف المسلم بأنه من سلم المسلمون من لسانه ويده ، وهذا يعني أن التشابه بين الإسلام والسلام ليس لغويا فقط .

الإسلام بطرحه للسلام كما أسلفت يعطي بعدا أوسع وأعمق من المفاهيم القانونية والفلسفية ، وإن كان لا يعارضها بل يعززها ، انه سلام مع الخالق نفسه ، وإذا صدق شعور الإنسان بهذا السلام فإن هذا سيترك اثرا عميقا في علاقته بنفسه وبالبشر وبالحيوانات وبالنباتات وبالأرض ، وسينخفض أو يزول هذا التوتر النفسي الذي يشعر به الإنسان مهما تحسنت ظروفه .

البشر تولد بفطرة إلهية نقية ، ولكن تحت مؤثرات من الغرائز المركبة والاستعدادات الشخصية والميول وملابسات الحياة ، والأنانية والطمع وإغراءات الشياطين وتأثير البيئة ، بل وتأثير الطعام والشراب المحظور دينيا والمخدرات المغيبة للوعي ، كل هذه الأمور تجعل البشر مشوشين لا يلتقطون نداءات الفطرة على الإطلاق أو بوضوح ، ومختلين لديهم قدرة على السقوط أو الترنح ، وبذا يكون الإنسان قادرا على عصيان الله وقادرا على الخروج عن الطريق الذي اختاره له، الله عنده شيفرات السموات والأرض والمخلوقات والبشر ، والكون مطيع له ، والمعاصي خروج عن النظام ، إنها تشبه الأخطاء الملاحية ، والناس في خروجها أنواع . بإلحاد أو شرك أو تجديف ، بقتل أو تعذيب أو سرقة ، بحقد أو تكبر أو استخفاف بمشاعر الآخرين ، بحق الدجاج هرمونات أو بممارسات جنسية شاذة أو بالتبول في الأنهار .

كل تصرف أو شعور سيء هو عصيان لله ، وعصيان الله مخرٍب ، ولكن لا نستطيع أن نلحظ كل هذا التخريب الداخلي ، نلحظ بعضه فقط ، وعلى المسلم أن يجاهد نفسه ويطورها ، ويعمل عمليات صيانة تزيل عنه الأدران بالصلاة أو الدعاء أو البكاء لله أو بالصدقة أو بكفالة يتيم ، هناك بدائل عديدة لتنظيف الذات ولإتيان أمور تجلب رضا الرب ، حتى لو مجرد تعاطف من القلب مع مظلوم من شخص لا يستطيع أن يرد الأذى ، أو برفع الأذى من الطريق حتى يمر الناس بسلام ، وبعد هذا أو غيره من الأعمال الخيٍرة لن يكون الإنسان ملاكا أبدا ، بل إنسان فاضل ، سيظل عرضة لارتكاب أخطاء كبيرة أو صغيرة ، ولكنه اكتسب مناعة ما قللت رغبته في عصيان الله ونظفت قلبه ، وهو بعد كل هذا يمكنه دائما أن يستغفر الله ويتوب إليه ،

والله اعلم بخلقه ويعرف أنهم غير كاملين بأية حال ، وهو يغفر لهم طالما عادوا إليه ، بل لو تسلل للإنسان شعور بأنه كامل ، وانه محكم كالحصن ، وانه يؤمن بالله ولكن لا يريد معونته فعند هذه الحالة يكون ابغض عند الله من الذين يخطأون ويعودون باكين لله ، بل ويحب الله أن يطلب الناس معونته ، وأن يطلب الناس منه طلباتهم الدنيوية ، وادعاء النضج إزاء الله غرور ، يستطيع الله أن يثبت لهذا الإنسان ضعفه ، لأنه لم يستسلم بحق لله .

وهذا الإسلام لله هو علاقة مباشرة بين الإنسان وربه بلا واسطة بينهما أبدا ، الله قريب جدا ، وعلى الأرض هناك بشر لا تعرفهم ولا نهتم بهم ، بل ربما ننظر لهم بتقزز من ملامحهم البائسة أو ملابسهم المتواضعة أو من جهلهم بالعلوم الدنيوية أو الدينية ، ومع ذلك فالمخلص منهم لله حقا ، يكون عند الله أفضل من حفنة من السادة أصحاب بطاقات الإئتمان الذهبية الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم ( نسوا فطرتهم ) ،

وربما لو اقسم هذا المسكين على الله لأبره ، هناك طريق بين الله والإنسان ، مباشر ولا يمر على محطات بشرية ، إخلاص ومجاهدة وعبادات واستغفار وحب لله وثقة فيه ، ولا يحتاج الإنسان في هذه الرحلة الشيقة لأي ترشيح أو تزكية أو ترفيع من بشر على الأرض ، إنه شيء شخصي جدا وعميق جدا وبلا كهنوت ، الله ليس لديه وكلاء معتمدون على الأرض ، لكن هناك ناسا يعلٍمون أو يعظون أو يجاهدون ، وسيكافئون على هذا ، ولكنهم ليسوا بوكلاء معتمدين يقفون كمرحلة وسطى بين البشر والله .

والإسلام لا يقدمه النبي محمد كفكرة منحوتة في الفراغ ، بل هو دين آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ، فطالما أن الإله هو الإله فأصل الدين واحد ، وكل نبي دوره هو إعادة الناس لهذا الدين اذا ما بعدوا عنه قليلا أو كثيرا أو تماما ، ودورهم أشبه ما يكون في هذا الشأن كدور الراعي للخراف ، وعليه فإن الناس يطلقون اصطلاحات من اجتهادهم الشخصي على الأديان تعبيرا عن حالة معينة من الإنشقاق والإختلاف النوعي والذي يعد مبررا عند درجة ما لتسمية الجماعة الجديدة باسم جديد ، وهذا يأتي غالبا بعد انتهاء عصر هذا النبي أو ذاك ، وعليه فلم تكن على سيبل المثال الجماعة الأولي من المسيحيين تتصور أنها تنشئ دينا جديدا ، ولم يوصي موسى اليهود بان يطلقوا على الدين اسم الدين اليهودي ، ولا المسيح قال لجماعته انتم مسيحيين ، إذن المسيح راعٍ آخر جاء لإعادة الناس للدين السليم ، وهو مجدد ، ولكن بمعني أنه معيد الدين لأصوله الأولى بإزالة ما علق من توهمات واجتهادات بشرية ، وتكلٌس طقسي وتشريعي
________________________________________
(1) القدر 5