الأمر الآخر : أن يصدر من أحد العلماء كلام متشابه يمكن أن يُفهم أكثر من فهم فيتلقفه خصومه ويشنعون عليه وينسبونه إلى الكفر ويسعون فيه بأشد السعاية لقتله وإهدار دمه، بالرغم من أنه يكون من كلام هذا العالم ما لا يُحصى من الكلام الصريح ما يزيل هذا الفهم، ومع ذلك يُقدم المتأول والمحمل السيئ عند هؤلاء، لتحقيق مأرب أو الانتصار لحظوظ النفس.
ومثال ذلك ما ذكره الذهبي في (سير أعلام النبلاء: 16/95-97) (قَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ مُؤَلِّفُ كِتَابِ "ذَمِّ الْكَلَامِ": سَمِعْتُ عَبْدَ الصَّمَدِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: أَنْكَرُوا عَلَى أَبِي حَاتِمِ بْنِ حِبَّانَ قَوْلَهُ: النُّبُوَّةُ: " الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ " فَحَكَمُوا عَلَيْهِ بِالزَّنْدَقَةِ، هُجِرَ، وَكُتِبَ فِيهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، فَكَتَبَ بِقَتْلِهِ. قُلْتُ: هَذِهِ حِكَايَةٌ غَرِيبَةٌ، وَابْنُ حِبَّانَ فَمِنْ كِبَارِ الْأَئِمَّةِ، وَلَسْنَا نَدَّعِي فِيهِ الْعِصْمَةَ مِنَ الْخَطَأِ، لَكِنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الَّتِي أَطْلَقَهَا قَدْ يُطْلِقُهَا الْمُسْلِمُ، وَيُطْلِقُهَا الزِّنْدِيقُ الْفَيْلَسُوفُ، فَإِطْلَاقُ الْمُسْلِمِ لَهَا لَا يَنْبَغِي، لَكِنْ يَعْتَذِرُ عَنْهُ، فَنَقُولُ: لَمْ يُرِدْ حَصْرَ الْمُبْتَدَأِ فِي الْخَبَرِ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: **الْحَجُّ عَرَفَةُ}وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَصِيرُ بِمُجَرَّدِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ حَاجًّا، بَلْ بَقِيَ عَلَيْهِ فُرُوضٌ وَوَاجِبَاتٌ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ مُهِمَّ الْحَجِّ. وَكَذَا هَذَا ذَكَرَ مُهِمَّ النُّبُوَّةِ، إِذْ مِنْ أَكْمَلِ صِفَاتِ النَّبِيِّ كَمَالُ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ، فَلَا يَكُونُ أَحَدٌ نَبِيًّا إِلَّا بِوُجُودِهِمَا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ بَرَزَ فِيهِمَا نَبِيًّا؛ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ مُوهَبَةٌ مِنَ الْحَقِّ تَعَالَى، لَا حِيلَةَ لِلْعَبْدِ فِي اكْتِسَابِهَا، بَلْ بِهَا يَتَوَلَّدُ الْعِلْمُ اللَّدُنِّيُّ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ).
وَأَمَّا الْفَيْلَسُوفُ فَيَقُولُ: النُّبُوَّةُ مُكْتَسَبَةٌ يُنْتِجُهَا الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ، فَهَذَا كُفْرٌ، وَلَا يُرِيدُهُ أَبُو حَاتِمٍ أَصْلًا، وَحَاشَاهُ، وَإِنْ كَانَ فِي تَقَاسِيمِهِ -مِنَ الْأَقْوَالِ وَالتَّأْوِيلَاتِ الْبَعِيدَةِ، وَالْأَحَادِيثِ الْمُنْكَرَةِ- عَجَائِبُ، وَقَدِ اعْتَرَفَ أَنَّ "صَحِيحَهُ" لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَشْفِ مِنْهُ إِلَّا مَنْ حَفِظَهُ، كَمَنْ عِنْدَهُ مُصْحَفٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى مَوْضِعِ آيَةٍ يُرِيدُهَا مِنْهُ إِلَّا مَنْ يَحْفَظُهُ... وَقَالَ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيُّ: سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ عَمَّارٍ الْوَاعِظَ، وَقَدْ سَأَلْتُهُ عَنِ ابْنِ حِبَّانَ، فَقَالَ: نَحْنُ أَخْرَجْنَاهُ مِنْ سِجِسْتَانَ، كَانَ لَهُ عِلْمٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَبِيرُ دِينٍ، قَدِمَ عَلَيْنَا، فَأَنْكَرَ الْحَدَّ لِلَّهِ، فَأَخْرَجْنَاهُ. قُلْتُ: إِنْكَارُكُمْ عَلَيْهِ بِدَعَةٌ أَيْضًا، وَالْخَوْضُ فِي ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ، وَلَا أَتَى نَصٌّ بِإِثْبَاتِ ذَلِكَ وَلَا بِنَفْيهِ. وَ"مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" وأَنْ يُحَدَّ أَوْ يُوصَفَ إِلَّا بِمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ، أَوْ عَلَّمَهُ رُسُلَهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي أَرَادَ بِلَا مِثْلٍ وَلَا كَيْفٍ.
ومن ذلك أيضاً ما حصل للعلامة ابن القطان الفاسي (صاحب الكتاب الأعجوبة؛ بيان الوهم والإيهام): قال المراكشي (الذيل والتكملة: 8/2/433): (قر ئ على أبي الحسن ابن القطان يوما في مدة العادل وهو على الحال المتقدم صفتها في رسمه، حديث من أعلام النبوة فتكلم عليه أبو الحسن بما حضره في مضمنه، ثم ختم الخوض فيه بأن قال: هذا من صفاء باطن النبي -صلى الله عليه وسلم- وشف جوهره في كلام نحو هذا، فنسب إليه القول باكتساب النبوات، وجرت في ذلك طائفة من ثالبيه والطاعنين عليه وكتبوا رسمين، استدعوا في أ حد هما شهادة الشهود بمقابلته تلك، واستدعوا في ا لآخر فتاوى أهل العلم في قائل تلك المقالة، وأطالوا في ذلك وأعرضوا، ونسبه معظم الفرو وعين؟ إلى البدعة وكفره آخرون منهم، وأجمع المتألبون عليه أنه لا يتم لهم الغرض من هذا العمل إلا بفتيا أبي الحجاج المكلاتي (ت 626هـ/1229م)وقال :هو لا شك عدوه المناصب له، وسيغنتم هذه الواقعة للظفر به، والنيل منه، فتوجهوا بالرسمين إليه سائلين حكم الله فيه، واثقين منه بأنه يوجب قتله، أو معاقبته المعاقبة الشديدة، فلما نظر فيهما لم يتوقف عن تمزيقهما وإعدامهما البتة، وأنحى على الساعين في ذلك بأشد اللوم وبالغ في توبيخهم وتقريعهم ونال منهم أقبح منال، ثم قال: يا سيئي النظر وقليلي العقل! تعمدون إلى أجل شيوخكم، وأشهر علمائكم وقد علمتم صيته في الآفاق بأنه وقف حياته، واشتهر طول عمره في خدمة السنة وعلوم الشريعة حتى صار من أئمتها والسابقين في ميدان المعرفة بها، وخوضه أبداً إنما هو مع جلة حملتها، وعظماء نقلتها من عهد الصحابة رضوان الله عليهم إلى عصرنا هذا، وتتعرضون له بمثل هذا السعي القبيح، فما الذي تفعلون غداً أو بعد غدٍ معي أو مع أمثالي ممن لا يعمر مجالسه أبداً إلا بالنظر مع القدرية والشيعة والرافضة والمعتزلة والكرامية والإباضية والإمامية والإبراهيمية وغيرهم من الفلاسفة وأهل الأهواء والبدع الحائدين عن مذاهب أهل السنة ولا يشتغل ألا في ضرب بعض أقوالهم ببعض، اذهبوا خيَّب الله سعيكم وأراح الإسلام والمسلمين منكم).
فهذا ابن القطان رحمه الله وجد من يدافع عنه ويدفع هذا الأمر عنه، من رجل اشتهر بالعداوة له، لكن الإنصاف لم يمنعه من أن ينزله منزلته وينافح عنه ويدفع تأويلات هؤلاء المتأولين، فكم من عالم لم يجد من يدفع عنه شرور أمثال هؤلاء، فكان ضحية الساعين، واستبيح دمه بأفاعيل المغرضين!! فلا حول ولا قوة إلا بالله.
وهذا عينه ما نراه في هذه الأيام إذ قد يغتنم البعض صدور كلمة محتملة من أحد العلماء وهناك ما يناقضها تصريحاً من نفس العالم فيترك هذا الصريح كله ويتمسك بهذه الكلمة المحتملة ويكفر على أساسها ويبيح الدماء والحرمات.
وللحديث صلة إن شاء الله تعالى